الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

70

الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية

--> به ؟ ! على أنّ العرب وإن كانت حنيفية ، ولكنّها ما كانت لتنكر فضل ( عيسى ) عليه السلام ولا لتجهل مقامه ، كما لا تجهل فضل ( موسى ) عليه السلام والأسباط . وهذا لا يصيّرها يهودية أو نصرانية وإن حلفت به أو بصليبه أو رسمت صورته . ومن الظريف إيراده قول ( أيمن بن خريم ) في وصف الخمرة : وصهباء جرجانية لم يطف بها * حنيف ولم تنغر بها ساعة قدر ولم يشهد القسّ المهيمن نارها * طروقاً ولا صلّى على طبخها حبر فقال : ( إنّ المراد بالخمرة : قربان النصارى ، والحنيف هو : الراهب ) إلى آخر ما ذكره . وهذا كما يحكى في النوادر من تفسير ذلك الأعرابي لقول ( الفرزدق ) : بيتاً زرارة محتبٍ بفنائه * ومجاشع وأبو الفوارس نهشل إنّ البيت هو الكعبة ، وزرارة الحجر الأسود ، ومجاشع بئر زمزم ! ثمّ سئل عن نهشل ، فتأمّل ملياً ، وقال : ( هو القنديل المعلّق في وسط الكعبة ) . وبالجملة : فمن يراجع ما سرده في تلك المقالات المتتابعة يجد من الغرائب ما يضحك الثاكل ويثير تعجّب كلّ عاقل ، وله كثير من هذه التمويهات في كتابه ( شعراء النصرانية ) . ولكن ممّا يثير الأسف على ضياع العلم وكساد الحقائق وترويج الأباطيل استشهاده بكلمات ( عبد المسيح الكندي ) في رسالته إلى ( الهاشمي ) في أيّام ( المأمون ) . وما كنّا نظنّ أنّ مثل ذلك الكاتب المعني بطلب الحقائق يغالط على نفسه أو على البسطاء بمثل هذه المغالطة . كيف ! وهو وكلّ من له أدنى حظٍّ وإلمام من التاريخ يعلم أنّ هذه رسالة مجعولة ، وأنّها من مفتريات هذه العصور ، وأنّ ( عبد المسيح ) هذا و ( الهاشمي ) ذاك ما كانا إلّاكأبي زيد السروجي والحارث بن همام في أقاصيص ( الحريري ) و ( الهمداني ) . وسيأتي التنبيه والإشارة لهذا في أُخريات هذا الجزء إن شاء اللَّه . وعلى أيٍّ ، فنحن وإن كنّا نرى أنّ مزعمة نصرانية أكثر العرب وهم حائل وشبح خيال زائل وأنّ حججها داحضة ودلائلها مدخولة ، ولكنّنا لا ننكر أنّ في العرب كثيراً من النصارى قبائل وأفراد وجماعات وآحاد . بيد أنّنا لا نستيقن أنّ النصارى كانوا في العرب أكثر من اليهود . وسواء كانوا أقلّ أم أكثر ، فليس لذلك الكاتب منهم حظٌّ ولا نصيب ، سوى أنّه قد حلب حلباً ليس له ولا شطره ،